السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
5 - حديث: ((....أليسَ شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟))[229]:
قالوا: إنَّ الإسلامَ امتهن المرأةَ حين جعل شهادتَها على النِّصف من شهادة الرجل.
ويردُّ عليهم بعدة وجوه؛ منها:
1 – أنَّ هذا ليس فيه امتهانٌ للمرأة؛ لأنَّ ذلك يرجع إلى اختلاف طبيعة المرأة عن الرَّجل، والله علَّل كونه امرأتين بقوله: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282]، فليس في ذلك نقصٌ من منزلتها، ولا لتكريم الرَّجل، ولكن لهذه العلَّة المنصوصة، وقد بيَّن علماء التفسير - رحمهم الله - أنَّ معنى تضل؛ أي: تنسى، والإنسان بنوعَيه عُرضةٌ للنسيان وللضعف في الانتباه لدقائق الشهادة، والمرأة مُعرَّضة لذلك أكثرَ من الرِّجال، وهو ما أشارتْ إليه الآية الكريمة دون أن تَنفيَه عن الرجل.
والقضايا المالية ونحوها بعيدةٌ عن طبيعة النِّساء، فقد تنسى مثلَ ذلك، فأوجب الله امرأتين لتتمَّ الشهادة، ومِن أجْل أن تُذكِّر إحداهما الأخرى عند النِّسيان، ومِن حِكمة الله - تعالى - أنَّ صفة النسيان ملازمة للمرأة، فذاكرةُ المرأة أقلُّ من ذاكرة الرَّجل، وهذه نعمةٌ عظيمة، حيث إنَّ المرأة قد تتعرَّض لحوادث مؤلِمة، ولو لم تَنسْها لعاشت حياةً كئيبة، وقد أثبت الطبُّ الحديث فَرْقًا بين مخِّ المرأة ومخِّ الرجل، فيترتَّب عليه نسيانُ حالِ الشهادة أو تأثُّر، ونحو ذلك.
2 - وأيضًا الشريعة الإسلامية اتَّجهت إلى تعزيز الشهادة؛ حتى لا تكون عُرضةً للاتِّهام، ولذلك عُزِّزت شهادةُ الرجل الواحد نفسه بشهادة رجل آخر، ولم يُعتبر ذلك ماسًّا بكرامة الرَّجل ما دام ذلك التعزيز أضمنَ لحقوق الإنسان، وبناء عليه فإذا لم يكن هناك إلاَّ شاهد من الرِّجال واحتيج في الشِّهادة إلى المرأة، كان تعزيزُ شهادة المرأة بشهادة امرأة ثانية جاريًا على نَفْس الأصل الذي يجري على تعزيز شهادة الرَّجل الواحد بشهادة رجل آخَرَ.
3 - وأيضًا فالشهادة جاءتْ في مقام الاستيثاق في القضايا المدنيَّة والتجارية، والرجل أقدرُ على أداء الشهادة من المرأة؛ إذ المرأةُ عليها قيودٌ وعوائق، قد تمنعها من أداء الشهادة.
4 - وشهادة المرأة تُقبل أحيانًا وحْدَها في مثل القضايا النسائيَّة كالرَّضاع والولادة، وعيوب ما تحت الثياب ونحوها؛ لأنَّها أضبطُ من الرَّجل في ذلك.
6 - حديث: ((يقطع الصَّلاةَ المرأةُ والحمار والكلب، ويقي ذلك مِثلُ مُؤْخِرة الرَّحل))[230]:
قالوا: إن المرأة تقطع الصلاة، وقُرِنت في ذلك مع الحِمار والكلب، وهذا يدلُّ على مهانتها، وهذا ليس كذلك في الرَّجل.
ويردُّ عليهم بعدة وجوه، منها:
1 - نقول: ليس في الحديث تشبيهُ المرأة بالحِمار والكلب الأسود؛ لأنَّ وجود الثلاثة في سِياق واحد لا يعني أنَّها متماثلة في علِلها التي تُقطع بها الصلاة؛ بمعنى: أنَّه لا يلزم أنَّ العلَّة من كون الكلْب الأسود يقطع الصلاة هي نفس العلَّة المحقَّقة في الحمار أو المرأة، ويدلُّ على ذلك بأنَّ الاقتران في النَّظم لا يستلزم الاقتران في الحُكم؛ كما في قوله - تعالى -: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ} [الفتح: 29]، فالجملة الثانية معطوفةٌ على الأولى، ولا تشارِكها في خصوصيتها وهي الرِّسالة، ودلالة الاقتران عند الأصوليِّين ضعيفةٌ - كما هو معروف - ولذلك فكونُ الكلب الأسود شيطانًا - كما جاء في الحديث - لا يعني أنَّ الحمار، أو المرأة شيطانان، فقد تكون لهذه الثلاثة عِللٌ مختلفة، وإنْ جَمَعها سياق واحد، وإن كانت علَّة الكلب منصوصًا عليها في النَّص دون الباقي، فيدلُّ على أنَّها تختلف عن الباقي، ولا تماثلها.
2 - ويمكن أن تستنبطَ علَّة من كون المرأة تقطعُ الصلاة بكونِ مرور المرأة بين يدي المصلي - أي: قريبًا منه - مما قد يُثير في الرجل انتباهَه، وقد يشرد به عن الصلاة؛ ولذلك كانتِ المرأة في العموم أشدَّ لفتًا لانتباه الرجل من مرور رجلٍ آخَرَ، لذلك - والله أعلم - جعلها الشارع ممَّا يقطع الصلاة؛ وذلك حفاظًا على الخشوع في الصَّلاة من أن ينخرم بمثل ذلك.
3 - وللشيخ عطية صقر - رحمه الله - تعقيبٌ على هذا الحديث، أكَّد فيه على أنَّ التسوية ليست للت**** أبدًا، فالفَرْق كبير، ولكن الموضوع أساسه الاحتياط لعدمِ الانشغال في الصلاة؛ رَهَبًا بمثل الكلب الأسود والحِمَارِ، ورَغَبًا بمثل المرأة، وأثرها في الانشغال لا يُنْكَر، ومقام الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يأبَى الانشغال بمثل ذلك، فما كان يُبالِي كما تَذْكُرُ الروايات، ولكنَّ غيرَه يَتأثَّر في أغلب الأحوال على الوجه المذكور، ثم شدَّد - رحمه الله - على أنَّ الحديث الخاص بهذه الثلاثة لا يُقصَد منه إبطال الصلاة، بل قد يكون المقصودُ إبطالَ الخشوع فيها أو نقْصه؛ لِمَا يَحدُث للمصلِّي مِن خوف مِن هذَين الحيوانَين، واشتهاء للمرأة، وفيه حَثٌّ على اتخاذ السُّترة حتى لا يسمح بمرور هذه الأشياء أمامَه.
7 - حديث: ((قد أَذِن الله لكنَّ أن تخرجن لحوائجكنَّ))، و((هذه ثم ظهور الحصر))[231]:
قاله لنسائه في حجَّة الوداع، والحصر: جمع الحصير الذي يُبسط في البيوت؛ أي: عليكنَّ لزوم البيت: قالوا: هذا تقييد وحبسٌ للمرأة في البيت، وفي ذلك انتقاصٌ لحقوقها، وقتْل شخصيتها، واعتداء على كيانها، وتعطيل لنِصف المجتمع.
ويُردُّ عليهم:
أنَّ مِن قلب الأوضاع أن يُسمَّى المصون المخدوم المكْفِيُّ الحاجةَ سجينًا، وقولهم هذا مبنيٌّ على أنَّ المرأة ليس لها عمل في المنزل، والواقع أنَّ وظيفتَها في تدبير شؤون البيت، ورعاية الزَّوج والولد، وقضاء حاجتهم المتنوعة تستغرقُ كلَّ وقتها لو أُدِّيت على وجهها، بل إنَّ وقتَها يَضيق - في بعض الأحيان - والدليل على صِدْق ما نقول: هو أنَّ النِّساء العاملاتِ يحتجن دائمًا إلى توظيف الخَدَم من النِّساء والرجال؛ لسدِّ النقص الناتج عن تخلِّيهن عن وظيفتهن، فأيُّ شيء يكسبه المجتمع إذا كانت المرأة تخرج إلى العمل، وتربط مكانَها شخصًا أو شخصين تُعطِّلهم عن العمل؟! أين الكسبُ الاقتصاديُّ الذي يزعمونه؟!
وهم بهذه الشبهات والدَّعاوَى يقولون: نُريد تحريرَ المرأة وتخليصَها من ظُلم الرَّجل، وهي في الحقيقة ليستْ دعوةً لتحرير المرأة، ولكنَّها دعوة إلى تحرير الوصول إلى المرأة التي نَعِمتْ في ظلِّ الإسلام قرونًا، وما زالتْ تنعم بذلك، حتى جاء هذا القرن والذي قبلَه، فوُئِدت المرأة وأدًا معنويًّا، وهو أمثل خطرًا من وأْدِ الجاهلية، فإنَّ الموْءودة في الجنَّة، كما أخبر بذلك النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمَّا موءودةُ هذا القرْن فهي التي وَأدَتْ نفسَها، وباعتْ عِفَّتها، وأهدرت حياءَها، فلا تدخل الجنَّة، ولا تجد رِيحَها، كاسية عارية، مائلة مُمِيلة، لا تجدُ عَرْف الجنَّة، وإنَّ رِيحَ الجنة ليوجدُ من مسافة كذا وكذا، أصغتْ بأذنها إلى الدُّعاة على أبواب جهنم، فقذفوها في جهنم، فشَقِيتْ وخسرتْ دنياها وأخراها، فهي تعضُّ أصابع الندم هنا ويوم القيامة.
نسأل الله أن يُجنِّب نساء المسلمين أن يَفتِنَّ أو يُفتنَّ، وأن يردهنَّ إليه مردًّا جميلاً.
وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.



LinkBack URL
About LinkBacks

رد مع اقتباس

